أبو سعد منصور بن الحسين الآبي
31
نثر الدر في المحاضرات
قال بزرجمهر : « الملوك تعاقب بالهجران ولا تعاقب بالحرمان » . قال أردشير : « الدين أس والملك حارس ، وما لم يكن له أس فمهدوم ، وما لم يكن له حارس فضائع » . كان على عهد كسرى رجل يقول : من يشتري ثلاث كلمات بألف دينار ؟ فيطنز « 1 » منه ، إلى أن اتّصل البريد فأنهى خبره إلى كسرى ، فأحضره وسأله عنها . فالتمس إحضار المال فأحضر ، فقال الرجل : ليس في الناس كلّهم خير ، فقال كسرى : هذا صحيح ، ثم قال : ولا بد منهم ، فقال : صدقت ، والثالث : أي شيء ؟ قال : فالبسهم على قدر ذلك ، فقال له كسرى : قد استوجبت المال فخذه ، قال : لا حاجة لي به ، قال : فلم طلبته ؟ قال : لأني أردت أن أرى من يشتري الحكمة بالمال ، فاجتهد به كسرى في قبوله ، فأبى أن يقبل . قال كسرى لبعض عمّاله : كيف نومك بالليل ؟ قال : أنامه كلّه ، قال : أحسنت لو سرقت ما نمت هذا النوم ! وقال لأصحابه : أيّ شيء أضرّ على الإنسان ؟ قالوا : الفقر ، فقال كسرى : الشحّ أضر منه ؛ لأن الفقير إذا وجد اتّسع ، والشحيح لا يتّسع وإن وجد . وكان ملوك الفرس إذا بلغهم أنّ كلبا مات في قرية لا يعرف لموته سبب أمروا بأخذ أهل القرية بالبيّنة بأن الكلب مات حتف أنفه لم يمت جوعا . قال بزرجمهر : لا شرف إلا شرف العقل ، ولا غنى إلّا غنى النفس . قال أنو شروان : العطلة تهيّج الفكرة ، والفكرة تهيج الفتنة . وكان على خاتمه : « لا يكون عمران بحيث يجور السلطان » . قال بزرجمهر : أخيب الناس سعيا من أقام في دنياه على غير سداد ، وارتحل إلى آخرته بغير زاد . ورأى فقيرا جاهلا فقال : بئسما اجتمع على هذا : فقر ينغّص دنياه ، وجهل يفسد آخرته .
--> ( 1 ) الطّنز : السخرية ، طنز به ، فهو طنّاز ، ويطنز منه : أي يسخر به .